اخر الأخبار

المبدع الاستثنائي هيثم الطيب يتوهج عبر (superhattrick)في تيارات فنية وتطالعون عبر ملفها الرائع :. ويظل السؤال باقياً ..هل عقل الدولة سياسي أم ثقافي..؟..الروائي الدكتور واسيني الأعرج يتغزل في شباب مدني ..وشبابنا (ما عايز غُنا سوداني)..!!

 

قال الروائي الدكتور واسيني الأعرج حديثاً من القلب للقلب  للشعب السوداني،وهو يشارك في فعاليات جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي بالخرطوم،إن أجمل مافي الشعب السوداني إنه شعب قاريء،يقرأ بوعي وتجربة ويبحث عن المعرفة وآلياتها،ولي كل السعادة في أن روايتي (البيت الأندسي) تمت طباعتها ونشرها عبر دار سودانية تقوم عليها امرأة سودانية هي الأستاذة سناء أبو قصيصة،وهذا سبب أجمل ثاني لسعادتي كونها تناضل في مجال النشر والطباعة بقوة كهذي،ولعل كل التجلة لها،وهي تعطي فكرتها في دار نشر سودانية تهتم بالرواية العربية خارج حدود بلادها،ومن هنا فأنا أعبر عن فرحتي بهذه الخطوة من السودان،ورأيت من هو جميل هذا الشعب بحبه للقراءة واتجاهاتها كلها،وأدهشني شباب مدينة ود مدني عندما زرتها بعشقه للقراءة ونقاشه وحواراته معي،فتحية لهذا الوطن ولهذا الشعب ولدار مدارات للطباعة والنشر على جهدها في طباعة روايتي (البيت الأندلسي)..وكان الروائي الدكتور واسيني الأعرج قد قام بزيارة لقبر الروائي الطيب صالح،ويقوم بذلك في كل زيارة للسودان،ويعرف عنه صداقته العميقة والمتجذرة بالطيب صالح.

++++++++++++++++++

كرمكول والطيب صالح .. مهرجان وحلمٌ هنا وهناك..!!

وفي بقعة مباركة هي كرمكول،مكان الطيب صالح،يتدفق مهرجان تفاعلي في المكان وبين الناس،قيمته في كونه يفعل تحريكاً جمالياً لمفاهيمية التنمية الإنسانية كلها،غناء وحركة تفاعلية مع الناس بنقاشات وحوارات،الثقافة هناك،غيضها الطيب صالح،وفيضها تجليات واثقة من فعل حقيقي يمارسه الناس هناك.

يظن بعضنا أن فكرة المهرجان،فعل تركيزه على حياة الروائي العالمي الطيب صالح ورواياته ونصوصه وتأريخه،لكنه يستخدم عبقرية المكان هناك لتفعيل فعل تنموي وثقافي،وفي ذلك رؤية باذخة،الناس هناك في كرمكول يتحركون على نسق فعل ثقافي محلي،يضعون كل ثقافة قادمة لهم خيراً وجمالاً.

بعض النقد لذلك المهرجان يفترض فيه تواثقاً كاملاً على الطيب صالح،وبعضهم يفترض تركيزاً على ثقافة المنطقة وفنونها،لكن رؤية المهرجان صناعة تحالف ثقافات سودانية هناك،وفتح مسارات حوارات حولها،ويتحقق نجاحه لو استقام على فعله هذا،إذ أن ضعفنا يتمثل في أن كل السودانيين لا يعرفون بعضهم البعض ولم يكتشفوا ثقافاتهم المختلفة،ومثل هذا المهرجان يشكل طريقاً تفاعلياً،لنصل لتكوين ثقافات سودانية في وحدة توافقية سودانوية،المهرجان بفكرته تلك يحتاج لعمل ووعي يرسم كيف يتحقق الغرض الأجمل له.

تشريحية فعل كهذا،يرتكز على وعي بكامل غرضه وفكرته،تفاعل حركة المجتمع ثقافياً مطلوب،وتقديم الثقافة المحلية بشكل حقيقي يسهم في ترسيخها للشعب كله،جهلنا بالمكان،يعني ضعفنا في معرفة ثقافته وإنسانه،وكرمكول كمنطقة ارتباطها بالطيب صالح،مدخل للتعريف بها فهي منطقة تلاقح سوداني وتواثقها مع الأمكنة حولها صنع ثقافة منطقة وليس ثقافة قبيلة،ومن هنا لدي قول وأنا به زعيم،أن كل ثقافة في مناطق الشمال،تصنف كثقافة تلاقح جمعي،فالشمال أصلاً مكان إجتماع وجماع لقبائل سودانية مختلفة وهي بثقافتها تضيف لثقافة المكان كشمال،وكإنسان شمال.

++++++++++++++

أغاني وأغاني

واحدة من اشكاليات الانتاج البرامجي عندنا،العمل على طريقة (الشغل بمشي)،ويمشي الشغل في الطريق الخطأ والمحاط بالخطايا،كتبت كثيراً في ملفاتي الصحفية الفنية عن أن برنامج (أغاني واغاني) يحتاج لنقطتين مهمتين:-

الأولى،استشاريين موسيقيين والمهمة لهم هي دراسة الأصوات المشاركة في البرنامج ومن ثم توزيع الغناء للأغاني بمنهجية وعلمية وفقاً لمميزات الصوت وامكانياته،ذلك لظني أن طريقة العمل هنا تتم على طريقة (الغُنية دي عاجباني بغنيها أنا)..لذلك يأتي الفشل في الأداء كثيراًً مصاحباً لأداء تلك الأغنيات..

النقطة الثانية والتي هي مهمة للغاية بسبب أنها عصب البرنامج وهي وجود باحثين في البرنامج لتحديد موضوع الحلقة وتقديم المعلومات التاريخية الحقيقية حتى لا يتم تقديم معلومة خاطئة،وفي كل عام يخطيء مقدم البرنامج الأستاذ السر قدور في معلومة تاريخية غنائية،(في كل عام يفعل ذلك)..

نجاح البرنامج يعتمد على هاتين النقطتين واليقين الحقيقي كثيراً وكثيفاً من الفشل والتراجع بدونهما..

حلقة اليوم قال فيها الأستاذ السر قدور : أول من قام بتسجيل اسطوانة هو الفنان عبد الله الماحي، والحقيقة ليست كذلك،فأول أغنية سجلت على أسطوانة عام 1922 بالقاهرة كانت أغنية (لو تجازي ولو تسمحي) للشاعر صالح عبد السيد أبوصلاح وبصوت الفنان بشير الرباطابي..

ولأنه لا توجد قيمة معرفية حول ماذا تعني كلمة (باحث) في العمل الاعلامي،تتجدد كل عام الأخطاء والمعلومات غير الصحيحة والتي هي جزء من تأريخنا الغنائي..

بالمناسبة في كل الدنيا لا يوجد مقدم برنامج ليس معه باحثين،ولايوجد برنامج بلا باحثين،لكن هنا في بلادنا الأشياء على طريقة (الشغل بمشي)..

يمشي في كل عام لمزيد من الأخطاء والتراجعات..

فكرة البرنامج خبأ بريقها وتراجع جمالها والسبب (أعادة الأغنيات فيها)..= في موسم مع الشاعر التجاني حاج موسى وسمعنا أغنية (قصر الشوق)،وموسة ثاني مع الملحن عمر الشاعر وسمعنا أغنية (قصر الشوق)أيضاً،وموصم ثالث مع الفنان الراحل زيدان ابراهيم صمعنا نفس الأغنية..

= وذات الامر حدث في عام 2015م، في أغنيات ثنائي العاصمة،وفي موسم ماضي سمعناها باستضافة الملحن السني الضوي..

الملامح الفقيرة هي التي تقوم بصناعة هذا البرنامج وهي تظن أنها في كمال العافية والثراء المعرفي والنوعي..

++++++++++

زمن جديد

هيثم الطيب

– ويظل السؤال باقياً ..هل عقل الدولة سياسي أم ثقافي..؟

– وهل آليات الدولة ومؤسساتها تعرف الطريق إلى الأخذ بالثقافة كقوة كاسحة في مواجهة (هيمنة السياسة)..

– تستطيع ذلك لو وجدت الأفق والخيال الذي يصنع مسافة بين السياسة والثقافة ومن هذه المسافة (للمثقفين الدولة داخل الدولة)..

– وماذا يريد المثقفين غير الأعتراف الكامل بدورهم في صياغة وقيادة المجتمع..هم الأولى بذلك.. إعتماداً على الخبرات والمعرفية والرؤية العميقة التي يملكونها..ثم إنهم بين (الفكرة والفكرة يمكن أن يكونوا قوس قزح)..

– يمعني إن التماسات التي يصنعها المثقف في علاقته مع السياسي وهو يهم بإدارة شئون نفسه وقيادة مجتمعه قد تقوده إلى (صراعات خفية) وغير معلنة،لكنها بالضرورة ليست الصراعات التي تقتل روح المودة بينهما..

– السياسي معني بالأخذ بأسباب المودة هذه،والإقتراب بوعي من المثقف..يحاوره المحاورة المطلوبة والذكية..فحوار المثقف والسلطة يحتاج لذكاء أخاذ ووعي معرفي وإحاطة بكل جوانب وأوجاع وجراحات المثقف نفسه..

– فكل الجراحات التي يشتكي منها المثقفون جراحات التجاهل والتهميش ..هذه المفردة التي أخذت حقها ومستحقها من النقاشات وخرجنا بصبر جميل أنها (المفردة التي نغضب عليها ونغضب منها)..

– نغضب عليها ونقول إنها من السياسة،ونغضب عليها سراً وجهراً عندما نحس إن الحصار المفروض علينا كمثقفين هو حصار التهميش..

– لكني دائماً ما أقول إنه بالضرورة للمثقف أن يقود الصراع بنفسه من أجل إثبات دوره وقيادة مجتمعه إلى الأفضل..

– يقودها بوعي يمتلكه،وخبرات تراكمية بين سنوات عمره،وذكاء محسوب بين عقله وقلبه ..كل ذلك يقوده لصناعة الدنيا التي يريد والعالم الذي يحلم..

– كثير من المثقفين يمسكون أنفسهم أن تطوع لهم قتل روح الصمت في ليل الصراع مع المحيط من الدولة وآلياتها وفكرتها ورؤيتها،حتى موعد حُلج الندم..وحُلج الندم هذي هي المرحلة التي نبغضها في المثقفين..نبغضها لأنها تقود للمثقف الذي يجلس في البيت..صامتاً في إنتظار الفرج والعاصفة ..

– نحن نريد من المثقف أن يكون فاعلاً فقيادة التغيير لا تخرج بوعي إلا منه،ولاتخرج برؤية عميقة إلا من بين ثنايا فكرته ..

– لو أن كل مثقف في بلادنا،قال لنفسه لنصنع التغيير بالثقافة لصنعنا الوطن الذي نحلم به..صناعة وطن من الثفافة وبالثقافة ليست مسألة مستحيلة..لكنها صعبة..

– صعبة لو أن المثقف كان من النوع (الصامت جداً)..

– المثقف الذي نريد من نوع المثقف الذي لا يصمت (يسأل الدولة عن حقوقه،ويصارع الدولة من أجل إثبات حقوقه،ولا يسكت إن حاول أحدهم لعب أحد أدواره،ويخرج في تظاهرة صاخبة أن سمع أن أحدهم حاول أن يقوم بعملية تهميش مرسومة ضده)..

– نحن في دولة يجب فيها وفرض عين علينا أن نصرخ (لابد من دور خطير للمثقفين)..

– دور يقود ولا يسكت..دور طليعي وصاخب..!!

_++++++++++++++++

مع طهران

(1)

مسنودٌ على شهقة الآه

في فم الحياة ..

لعينيه العسليتين غمق الشقاء،

من مدّ الصبح إلى جذر الليل

يمضّه وجع الغربة ..

مطرٌ وحيد ..

صحو وحيد..

وقلم يلعن الآه

(2)

خمرة مغشوشة تسكر ظني..
هل أنا ماء فأعيد تكوين الشجر ..
أم أنا نار.. يتطهر بي 
الجذر المشبع عفونة .

++++++++++++++++++++++

ثم قلت

حنان يوسف علي

(أ)

ليش لما توقع غشاوة الحب عن العين 
بيصير المحبوب غريب كتير .. غريب أكتر من اول صدفة جمعتنا فيه .
ليش بتصير حروف اسمه بعيدة كتير أبعد من معرفتنا، انو في هيك اسم بهالكون .

(ب)

الحب.. الحب 
 –  لكل من يلمعُ بظلمتنا و لا ينكفئ .. كشمس .
–  لكل من أطفأ شعلته ، و مضى لخياراته .
–  لكل من حرَّرَنا حين غفرنا إساءته ، فاستعبدناه بذنبه اليقظ .
– لأطفالنا يمرحون في حدائقهم المدمرة .
– لشوارعنا مكتظة بوجوه مقنعة بضحكة او بخبث .
– للقلوب المخذولة، للعيون الثكلى .
– للموسيقا ، للكلمة ، للذكرى .. للحرب ، 
الحب لكل من تعلمنا منه الحب .

++++++++++++++++++++++++++++++++++++

هل في الأمرعجب؟

شبابنا (ما عايز غُنا سوداني)..!!

تامر حسني أولاً،هكذا قال محمد سليمان طالب العلوم بجامعة النيلين عندما سألناه لمن تستمع في الغناء،وأضاف،ثانياً شيرين عبد الوهاب،وثالثاً نانسي عجرم،إذاً ليس هناك غناءاً سودانياً،قال بقوة: نعم،ولا تندهشوا لستُ وحدي،كلنا هكذا وأتحداكم..

وضعنا في مأزق التحدي،فكان لابد من أن نقبل التحدي حتى وإن كنا على قناعة بأننا مهزومون مهزومون..ذهبنا معه للجامعة،جلسنا مع(الشلة)…أحمد،مناهل،شيراز،طارق،وخامسهم هو،سألناهم واحداً واحداً لمن تستمعون في الغناء،قالوا الغناء العربي،لماذا إذن،أليس هناك غناء سودانياً،أجابوا بنعم،لكنه غيرمقنع بالنسبة لنا،ليس فيه شيء لكننا هكذا لانحبه ولانريد الإستماع إليه.

قالوا لاتلوموننا،فالمسألة ليست لها علاقة بالوطنية وإننا يجب أن نرتبط بالغناء السوداني لأنه غناء الوطن،المسألة مسألة ذوق وإهتمامات.

إذن الغناء السوداني لايلبي إهتماماتهم،والغناء العربي يفعل ذلك،وبحاسة صحفية ثاقبة قلنا لهم لنسمع ماذا في ذاكرة الموبايل لكلٍ منكم،رحبوا بالأمر،وبدأنا بـ(أحمد) ففي الذاكرة غناء عربي وأغنيات سودانية لأحمد الصادق ومحمود عبد العزيز،واتجهنا إلى(مناهل)،ومن فحصنا لذاكرة الموبايل الخاص بها – أسمعتنا لها كلها- لم نستمع لأغنية سودانية واحدة،الذاكرة كلها غناءاً عربياً،واكتشفنا أنها مثقفة جداً في هذه الناحية،تحفظ الكثيرمن الأغنيات ومُطلِعة جداً على أخبارالفنانات العربيات فهي لا تستمع لأي فنان عربي إنما فنانات فقط،ولأن الأمر يبدوغريباُ،سألناها لماذا،قالت:هكذا وجدتُ نفسي،فهل يمكن أن تجد فتاة سودانية نفسها هكذا تحب الفنانات العربيات والغناء العربي بهذه الكثافة والقوة.

الباحثة الإجتماعية حنان إبراهيم الجاك تفسرالمسألة نفسياً بقولها:(الأمر طبيعي إن تعاملنا معه على أساس إسقاطات العولمة على مجتمعاتنا،فإن كانت هي مفتونة بالغناء العربي،فهناك من يموت عشقاً في الغناء الغربي ويحبه بدرجة أكبرربما)..

أما(شيراز) فالأمرعندها يبدو مختلفاً نوعاً ما،غناء عربي فقط،ولن أستمع للغناء السوداني لأنه حقيقة (ماعاجبني)،بلا تفسيرهكذا، قالت إن المسألة عندها(مزاج فقط)،مزاجها يخاصم المزاج السوداني في الغناء،وحاولنا أن نُسمِعها غناءاً سودانياً فصرخت فينا(ولاتحاولوا)،وعرفنا أنها تحفظ ما يفوق المائتين من الغناء العربي ،وقالت أتحدى أي(زول عارف غُنا قدري)،طلبنا منها أن تتحدث عن الفنان تامرحسني،فسردت لنا سيرته الذاتية،وقالت يمكن أن تتأكدوا منها وأرجعوا لي إن وجدتم فيها معلومة واحدة خطأ واحدة،الحقيقة كانت كل المعلومات التي أوردتها صحيحة بالكامل،لدرجة أنها قالت لي:هل تعرف الإعلامي المصري الذي كان مشروع التخرج الخاص به في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة فيلم مثَّل فيه الطفل تامرحسني؟ إنه عمروالليثي،أنا أستمع للغناء العربي بفهم وثقافة ووعي،وأرفض تصنيفي في خانة الإستلاب الحضاري،ولاأظن إن الإستماع لأغنية عربية يعني أنني مُستلبة ثقافياً،فلكل جيل معارفه وإتجاهاته المعرفية وميوله،فإن كانت ميولنا لاعلاقة لها بالغناء السوداني فهذا لايعني أننا لسنا سودانيون حقيقة بل سودانيون إسماً..قالت إنها تسمع هذا الكلام كثيراً وتعتبره حكماً ظالماً وغيرموضوعي.

(طارق) خط الدفاع الأول عن الغناء العربي في (الشلة)،أومحامي الدفاع كما أطلقوا عليه،نعم،نحن نستمع للغناء العربي ولا علاقة لنا بالغناء السوداني سواءاً أكان قديماً أوحديثاً،بل إن الأفضلية له،نحس أنه يعبرعنا،كل أشكال الغناء،هل توجد في أغانينا السودانية مثل الرومانسية التي نثرها كاظم الساهر،لاتقولوا لي إنك لم تسمع غناءاً سودانياً،سمعته ولم أجد نفسي فيه،هل هذا عيباً فيَّ،ربما تقولون ذلك،لكنني عربي الهوى في الغناء،

هل كل شبابنا هكذا،لنذهب إلى الشارع السوداني للفحص والتدقيق،إخترنا عينة عشوائية من الشباب بأعمار مختلفة ووزعنا عليهم أسئلتنا:_

– هل تستمع للغناء السوداني؟

– هل الغناء العربي أصبح مسيطراُ على الساحة أكثر من السوداني؟

 نسبة 87% قالت إن الغناء السوداني لايستهويها ولاتستمع له مطلقاً،ونسبة 13% قالت إنها تستمع للغناء السوداني أحياناً.

ولكن ماهي الأسباب وراء ذلك؟

علي محمد علي،شاب سوداني يعمل في تجارة الملابس،وجدناه لايستمع إلا للغناء العربي،سألناه من أين لك بهذه الثقافة،أجاب تعلمت السماع للغناء العربي من (شلة أصحابي) في الجامعة،وقبل ذلك كنت أستمع للغناء السوداني لكن بمرورالزمن تحولت بشكل كامل للغناء العربي،وأصبح الغناء السوداني بالنسبة لي مجرد ثقافة سودانية أنا غيرملتزم بها،لاتقولوا لي إن هذا يهدد ثقافتنا،هذا(تخريف وتنتظير فاضي)،الغناء السوداني لا يُطربني،لا أجد فيه نفسي،لا أحس به،لا يُحرك في دواخلي أي شيء،فهل بعد كل هذا واجب عليَّ أن استمع له،بالتأكيد لن أفعل هذا،وشيرين عبد الوهاب عندي أفضل من أي مطرب سوداني،الإستماع مزاج وليس أي شيءآخر،فهل يحاسبنا المجتمع على مزاجنا.

بالمناسبة تعبنا من وصفنا بأننا مستلبون ثقافياً،مرحباً بهذه الصفة إن كان التصنيف يرتكز على ذلك،نحن نعيش في هذا المجتمع لكننا لدينا أشيائنا وتفاصيلنا الخاصة التي تخاصم الغناء السوداني،وبصراحة أنا أرى نفسي(ما سوداني في الغُنا)،لست وحدي فهنالك كثيرين مثلي،ولكن أن تبحثوا لتتأكدوا من ذلك.

السؤال الذي يفرض نفسه،هل الشباب أكثرتعلقاً بالغناء العربي أم الشابات؟ الفكرة قد تبدوغريبة عند بعضنا،هل المزاج رجل أم إمرأة؟ المزاج هنا تعلق كبير بأغنية غير سودانية،بهذه العبارات قالت لنا الطالبة التي ترتدي الحجاب سهام الفاروق ومضت  مواصلة حديثها:كلنا مع بعضنا البعض بنسبة 50% و50%،ومشينا بعيداً عنها  واقتربنا من الطالبة مها الطاهروهي المنقبة،حاولنا أن نسألها عن الغناء بشكل عام،لأن سؤالنا المباشر لن يفيدنا،باديء ذي بدء،أنا لا أستمع للغناء مطلقاً،لكنني ألاحظ أن كل من حولي يستمع للغناء العربي فقط،أعرف هذا من (الونسة فيما بينهم)،أسمع عن تامر حسني،حمادة هلال،كاظم الساهروغيرهم،(الونسة)جعلتني أعرفهم كأسماءاً فقط.

رفض عمرحسن علي ما قلناه بأننا نتهم الشباب السوداني بالإنحياز للغناء العربي،وقال التعبيرالدقيق لايجب أن يكون(نتهم)،المسألة ليست جريمة حتى نُتهم،فهل المزاج جريمة في تعريف الذين يرفضون إنحيازنا للغناء العربي،ليكونوا منصفين يجب أن يحترموا إنحيازنا هذا،يجب أن يمنحونا الحق في أن نكون آخرين،لسناصورة طبق الأصل من أحد،ليست قضية أن نستمع له،القضية ماذا وجدنا فيه،وجعلنا نحبه أكثرمن غنائنا،ناقشونا لنوضح لكم رأينا.

 ما إكتشفناه في رحلتنا العصية هذي،أن المطربات العربيات أكثرإستحواذاً على مزاج الشباب والشابات، وتأتي أليسا على عكس ما كنا نتوقع في المرتبة الأولى،وإن كنا نتوقع أن تأتي(نانسي عجرم) أولاً،والسبب أن الرومانسية في أغنيات أليسا مساحتها أكبر وأشمل،ولكم أن تسمعوها ثم تحكموا،و(ياريت يكون عندنا روابط معجبين للفنانين والفنانات العرب)،لمزيد من التواصل معهم.

من تعبير(روابط المعجبين)،يمكننا أن نقول إن(الإعجاب وصل اللحم الحي)،منا مَنْ يرى أننا بهذا الإعجاب في خطرمحدق على ثقافتنا الغنائية وعلى سودانيتنا وبعض منا يرى إن الامرليس على ذلك النحو الصعب،فمع أي الطرفين ساعة الحقيقة الكاملة؟

++++++++++++++

شباب من خلف الباب

نقاش مع المخرجة وجدان عوض حول صوت الشباب في درامتنا

درامتنا (ثروة) تحتاج لمن يقودها،والشباب ليس أمامهم باباً حقيقياً ليصل صوتهم إبداعياً

رؤية / هيثم الطيب

وكيف يقرأ شبابنا حركتنا الثقافية،أين صوتهم الناقد لها،وأين صوتهم داخلها،ناقشت هذا مع المخرجة المسرحية وجدان عوض،التي تخرجت في كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عام 2015م،وهي الآن مخرجة في مجموعة قنوات أنغام،ووضعت قولها في أن الشباب ليس أمامهم باباً حقيقياً ليصل صوتهم إبداعياً،وعن مجالها (مسرحاً) وصفت أن المعوقات المادية هي التي تحاصر كل فعل شبابي مسرحي،فتكلفة إنتاج مسرحية بالنسبة للشباب يعد ضرباً من المستحيلات،غير أنها قالت،هنالك بعض الإشارات التي تعطي شبابنا مساحة صغيرة لكنها ليست كل الحلم،ولما كان الشباب محور حديثنا،فقد قلنا بالضرورة على مؤسسات الدولة دعم كل عطاء شبابي،ودافعت بقوة عن الدراما السودانية بقولها (ضعوا فيها دعماً ماديا ًكبيراً ثم بعد ذلك أحكموا عليها،لكن بهذه الطريقة يبدو الحكم ظالماً بسبب عدم تواصل فعلها الإنتاجي)،ومقارتنا بالدول من حولنا وهي التي تنتج دراما طيلة العام يبدو غير موضوعي في كل سياقه التقييمي،ومضت بإشارتها،كثيراً ما نحاول القول بأن تواصل الأجيال واحد من أسباب محركات الفعل الإيجابي في حركتنا الدرامية السودانية،وهذا ما نجده قليلاً،وبالضرورة أن يكون أكثر تفاعلاً لنقل خبرات وتجارب وتجليات تكون حراكاً بين رواد وشباب،وعلى منحى ثاني فهي في نقاشي معها تضع صوتها في إتجاه أن المال يشكل جداراً أمام شبابنا من مبدعي حركتنا الدرامية،وهذا في ظنها واجب الدولة توفير ذلك حتى يكون إبداعهم حاضراً وليضيفوا صوتهم للتأريخ الدرامي السوداني،وجه ثالث،فهي ترى أن الحركة النقدية التي تخرج للناس ليست بالعلمية المطلوبة ويقوم بها غير متخصصين أكاديمياً مما يجعلها أقرب للرأي الشخصي،وليس العلمي المفيد للمبدع وتطوير أدواته،من كلية الموسيقى والدراما التي تخرجت فيها،تقول بأنها تضع فيك آليات وعليك بعد ذلك العمل على إحداث تطوير علمي وعملي،ولكن التطوير العلمي يبدو صعباً لأن كل الأبواب أمام الشباب شبه مغلقة..

نقاشنا ذهب لقضية،أننا أدوات صناعة مسرح حقيقي،تبدأ بنصوص تحتوي على قضايانا ليتفاعل معها جمهورنا،ثم مخرج يضع طقس ومناخ يضيف للنص بعده الجمالي،بذلك يقينا ًسيكون لمسرحنا صوت وجاذبية وجماهيرية،وفي عقلها أن قوة المسرح في كونه قائد للمجتمع وهو الأكثر حراكاً بين الناس،فإن لم يكن كذلك فسيكون دوره ناقصاً،وتفاعله ضعيفاً..

في مجمل قولها،لها عدة إشارات،وهي أن درامتنا يمكن أن يكون لها صوت قوي وفاعل داخلياً وخارجياً لو أننا كدولة وأهداف وضعنا فكرة أنها (ثروة كاملة)،فهي طريق لفتح مسارات تعريفنا بالعالم وبتأريخنا وواقعنا وماذا في بلادنا،وهي أيضاً لها رؤيتها بأن المحبة هي بنت العزيمة التي ستصنع قوة كل الدراميين،وبغيرها سنكون أشبه ما يسمى بالجزر المعزولة،وهذا يقتل العقلية الإبداعية الجماعية التي لو فقدها وسطنا فلن نستطيع قيادة حركة إبداعية لها فاعلية وإضافة للمجمل الإنساني العام كأمة سودانية،ومن خلال حديثها تصف أن الثقافة تحتاج لرؤية يكون المال عمادها الأساسي لأنها أصبحت صناعة،والدراما جزء منها،وبغير المال الكافي،نصنع دراما ضعيفة غير مواكبة وغير عالمية،ومن هنا لن يصل صوتها،فوضع قيمة مالية لا تكفي لكل التكلفة،تقود صناع الدراما لإنتاجها بشكل غير مكتمل وغير جميل،ومن هنا فالإنتاج بأبسط تكلفة يشكل عائقاً حقيقياً في تقديم درامتنا بصورة مبدعة.

حوارنا ذلك،بحث عن حلول أزمة حقيقية،هي من وجهة نظرها كمخرجة وصوت جديد،لها قولها في أن فهمنا لثقافة بلادنا كمصدر تعريفي وإقتصادي ضعيف للغاية،وهذا ما أوصلنا لمرحلة الأزمة الحالية التي جعلتْ صوتنا الدرامي متقطع ومتناثر نوعا ما،وهذا ليس فعلاً طيباً لصالحها أو صالح البلد بشكل عام،وإن تعمقنا في قراءة كل ما قالته سنكتشف أن صوتها يمثل شريحة يحتاجها الوطن كإضافة مبدعة وهي شريحة شباب الدراميين التي لا زالت تبحث عن صناعة كون إبداعي تضع فيها صوتها الذي يستحق وصف أنه محاصر بفعل عدة أسباب،أجملتها هي في قولها (ماهي فكرتنا الحقيقية عن الدراما وماهي رؤية الدولة لها كمفهوم ثقافي وصناعة يمكن أن تساهم في الإقتصاد القومي)،واتفقت معها في ذلك،وفي ختام نقاشنا قالت المخرجة وجدان عوض إن (الحلم) هو الشيء الوحيد الذي لن تستطيع صوفه بأنه يمكن أن يموت،بل يضعف لكنه ينهض يوماً ما،فحلمنا في نهضة درامتنا ممكناً وليس مستحيلاً..

++++++++++++++++++++++++++++++++

كلية الموسيقى والدراما.. بين زمانين..!!

الشاعر والدرامي يحى فضل الله ،يزعم أن بريق كلية الموسيقى والدراما- المعهد العالي للموسيقى والمسرح- خبأ بالفعل،له دلائله كمايقول، ويعقد مقارنة بين زمانين،ونحن سنعقد مقارنة على لسان خريجين،يحى فضل الله ،محمود دبورة، الأول تخرج في الثمانينيات،والثاني تخرج العام 2009م.

يقول يحى: مايميزالمعهد العالي للموسيقى والمسرح أن العلاقات الإنسانية فيه تجعلك تتعلم،ترتبط به بثلاثية إرتباط،عشق وإنتماء،كل شيء متاح،زينب الحويرص مسؤولة المكتبة الصوتية تُعطيك ماتريد وفي أي وقت تشاء أنت، تنشأ العلاقات الثقافية العميقة،نقرأ النصوص الدرامية، ومن نجاحات ذلك أنني عبر جمعية المسرح مثلت الشخصية الرئيسية في مسرحية (الصابرون) وأنا بالمستوى الأول،لست وحدي فالفنانة حياة طلسم كانت تشارك في حفلات التخرج قبل دخولها للمعهد،الحب كان يحركنا نحوذلك، الآن العلاقة الحميمة والمفيدة بين الخريج والطالب لم يعد لها وجود مطلقاً،وهذه إشكالية.

مايميزأيامنا تلك،العلاقات الوثيقة بين قسمي الموسيقى والدراما، يوسف الموصلي،عثمان النو،مثالان واثقان لذلك،وتأتي سمية حسن،وفي بعد ثاني التمرد- وهو ظاهرة- بين طلاب معهد الموسيقى والمسرح وكلية الفنون الجميلة خلق ثقافة جديدة  ورؤية مشتركة،فطلاب كلية الفنون الجميلة كانوا جزءاً أصيلاً من إحتفالات التخرج عندنا،ويبرق منهم عصام عبد الحفيظ،كانوا يدخلوا معنا معسكرات العمل ويشاركون بفعالية.

دفعاتنا،هي التي كسرت بقوة فلسفة أن الخريجين يكونون مدفوعين بالإستعداء على الرواد،جماعة السديم المسرحية التي تكونت من بين دفعاتنا كانت هي من فعل ذلك،

المعهد العالي للموسيقى والمسرح خلق فيَّ ما يشبه الصمت،فأنا عندما دخلته وأنا قادم من كادوقلي تعمقت فيَّ لغة جديدة وثقافة جديدة، وحتى(ونسة)مختلفة،وهذا ماجعلني أقرب للصمت عندما رجعت لكادوقلي في أول عطلة لم أجد نفسي قادراً على(الونسة) مع الناس هنالك.

على أيامنا لم يكن المسرح القومي هوالحركة المسرحية،مثلما يبدوالآن،في بداية الثمانينات جاءت محطة التلفزيون الأهلية من المعهد وتطورت في التلفزيون السوداني،وجماعة السديم تكونت عام 1979م وأحدثت حراكاً ثقافياً غيرمسبوق،عروض مسرحية في الولايات ،ولك أن تعرف أن عروضها وصلت إلى (العالياب) وهي منطقة بريفي مدينة الدامر،هذاغيرعروضها المختلفة في الساحة الشعبية بالديم، من بين ثناياها خرج مهرجان ثقافي حقيقي،عروض مسرحية ونقدية وأغنيات تعبرعن الشارع السوداني،وأصدرت مجلة ثقافية، كل فعلها ذلك كان بعيداً عن السلطة الرسمية.

مسرحية (مأساة يرول)خرجت منها،فالسديم كجماعة كانت تجمعاً للفنانين التقدميين،وهم من أخرجوا تلك المسرحية، السماني لوال مخرجها من السديم، ومن الفنانين التقدميين.

المعهد العالي للموسيقى والمسرح على أيامنا أخرج أجمل فرقة غنائية عرفها الشعب السوداني وهي فرقة(عقد الجلاد)،فالموسيقار عثمان النوأسس فرقتي السمندل وعقد الجلاد،وحدث نزاع حول أي الفرقتين ينتمي وأخيراً ذهب إلى عقد الجلاد.

أيامنا في المعهد هي التي عرَّفت الشعب السوداني بالفنان مصطفى سيد أحمد كمشروع غنائي وفكري جديد يمكن أن يُحدث إنقلاباً في الحركة الغنائية السودانية،وهذاماكان،كنا نذهب به ليغني بالعود معنا بين ثنايا مسرحياتنا،فكرة إقتحامية جديدة لكنها ناجحة، فأغنية (يامطرعزالحريق.. يامصابيح الطريق)خرجت من مسرحية،و(نِعمة)أغنية الشاعر محمد الحسن سالم حميد خرجت من مسرحية أيضاً، وأغنية(دي المدينة وديل إيديا) كانت جزءاً من مسرحية (أحلام الزمان)،هكذا كان المعهد العالي للموسيقى والمسرح على أيامنا،صنع الفعل الثقافي الحقيقي بعيداًعن السلطة الرسمية.

الخريج محمود دبورة الذي تخرج العام 2009م (قسم التمثيل)،هو الزمان الثاني في قراءتنا لكلية الموسيقى والدراما أوالمعهد العالي للموسيقى والمسرح،يرى أن المعهد كان يعتمد على الموهبة والحرفية والتقنية أكثر من الجانب الأكاديمي،ولذلك كان المنتج منه مابين عامي 69-95م كفاءة عالية،وعند التحول إلى كلية حدث تطورطبيعي في عدد الساعات الدراسية بتخصصات النقد،التمثيل ،الأخراج، والكلية ليست مسؤولة عن تخريج (فنانين)،هي تعطي الطالب المفتاح فقط،وهومن يستطيع أن يبقى نجماً أوغيرذلك، والكلية لها فعلها الجميل والمؤثر في الحركة الثقافية في البلد،لكن ربما ليس بالصورة التي كانت من المعهد العالي للموسيقي والمسرح.

الممثل حسن عثمان سعد من الذين تخرجوا حديثاً، يرى أن منتوج الكلية دفع للحركة الفنية بشكل عام،وإن حدثت تراجعات فهي نتاج  للمحيط العام الذي يحيط بالحركة الفنية نفسها.

مناهج الكلية هي ذات المناهج التي تخرجت بها الأجيال التي يُطلق عليها ذهبية، وساهمت في تأهيل الخريجين بشكل أكاديمي وعلمي، ثم إن منجزات الحركة المسرحية في السنوات الأخيرة، سواءاً أكانت مهرجانات أو ليالي مسرحية أو ورش عمل درامية الأغلبية من الذين فيها هم خريجين السنوات القليلة الماضية،وهذا يعطي مؤشراً أن الكلية لازال رحيقها متواصلاً بغض النظرعن التقييم النقدي لمنتوجها لأن ذلك يكون بين رأين مختلفين،فالمهم أن منتوجها في الساحة الفنية.

لكن الشاعريحى فضل الله يزعم أن المعهد العالي للموسيقى والمسرح على أيامهم صنع ثورة ثقافية واثقة، بحسب تعبيره،فكتلة شعراء مصطفى سيد أحمد خرجت من هنا،تفاصيل الصياغات اللحنية أيضاً خرجت من هنا، وهذا مناط التمييز، تلك المنظومة التي أعطت الغناء الإتجاه الثاني، إتجاه مفارقة الغناء لـ(غناء زمن الرخاء)،(الدنيا تحلى صعابة ساهلة) إلى مفردة (حلوة عينيك زي صِحابي) التي كتبها عاطف خيري وهي غزل أقنع الشاعر السر قدور.

من أيامنا تلك،صعدت أسئلة هل هناك إشكالية في القبول الجماهيري لهذه الإغنيات، نحن كنا تراكمات،التجديد جاء منها،تشبعنا بكل تلك الأفكار،فأصبحنا تشكيل ثقافي كامل،كنا نراهن على التلقائية والصناعة، بفهم أن القصيدة لابد لها من لذعة بصورة كافية.

المنجزات تلك والتحولات العظيمة في مسارالأغنية السودانية ، كان للمعهد العالي للموسيقى والمسرح أسبقية تشكيلها،فمايسمى بكتلة (شعراء مصطفى سيد أحمد)،توضأت هنا،وكان كل شاعر منهم يشكل تياراً قائماً بذاته.

هذا الفعل المجيد في الحركة الثقافية السودانية كان من بين ثنايا المعهد العالي للموسيقى والمسرح.

++++++++++++++++++++++++++++++

مسرحية شظايا ممنوعة

صوت ريح ثم صمت كثيف،ثم يدخل الممثل لخشبة المسرح يصرخ بأعلى صوته:-

مَنْ جعل المثقف (مقتولاً يمشي على قدمين)..؟

(وكيف للشظايا أن تكون حياة وقلم)..؟

وفي الطريق، قرأ الورقة التي ظلت متماسكة رغم الريح في شجرة، كثيراً ما يضعف الوطن وكثيفاً ما تكون المحاصرة للمثقفين..

قرأ الورقة، ثم مزقها، هل كان ينعي روحه كمثقف أم أنه عرف أنه لا فائدة من تمزيق الروح في بلد، أقصى ما فيه جعل المثقف (مقتولاً يمشي على قدمين)..

عاد للنهر، يظن أن النهر القديم يعرف كل حزنه، يشاركه كله، أو يرسل الموج ليسأله: أما زلت حزيناً على واقعك، كلهم هكذا.

صوت موسيقي يصنع الخوف..

الممثل:-

وقالت الموجة السمراء: لماذا لا تسبح للضفة الأخرى، هناك لا حياة، أجعل لك حياة، وكن أنت الوطن والمثقف في آن واحد..

وفي الضفة الأخرى، كان هو الإنسان الوحيد، بدأ بناء الحياة الخاصة به كمثقف، لم يفترض أن هناك شعباً يستحق منه فكرة ليعيش، وعاش وحيداً كمثقف، وبقية (الحياة) بلا حياة، كأنه ينتقم لحياة سابقة كان على هامشها، مارس ديكتاتورية وصفها بأنها (جميلة) لأنها من مثقف، كونه رفض معاني الحياة هناك إلا لروحه، وجعل بقية الكائنات ضعيفة تحاول أن تعيش، هل كان يرسم ماضيه فيها، لقد كان مثلها ضعيفاً وهناك سلطة قوية، الآن هو يمثل السلطة وهي تمثل ضعفه ماضياً.

ليلاً، يسأل نفسه، لماذا أنا كذلك، أين صرختي (حق وخير وجمال)، أين مشروعي كمثقف، أين حياتي الحقيقية..؟ هل الماضي المظلم جعل حياتي مظلمة بما يكفي، هل لن أستطيع ممارسة دوري كمثقف، هل تحولت بعد السجن والتعذيب لكائن (ذاتي)، هل حققوا حلمهم يوم أن أدخلوني السجن قائلين: ستخرج من هنا شظايا، نحن نريد تعذيبك أكثر، تخرج بلا حياة، نجعلك بقية ديكتاتور وليس ديكتاتوراً كاملا، تمارس الديكتاتورية مع نفسك تعذيباً لها في الليل، بأنك لم تعد أنت، ضعُفتَ، ثم تحولت لشظايا، تبكي حلمك كمثقف، تم نهاراً تمارسها مع الناس تعذيباً خفيفاً أو ثقيلاً، المهم أننا سننجح في صناعة روح جديدة لك، (مثقف ديكتاتور)، مثقف بشظايا إنسان، عرفنا كيف يمكن لنا تحطيم المثقفين، بهذه الطريقة، سنحكم ونحكم..

وهناك في السجن، كان يرسم في وجدانه رواية جديدة، هو من نوع الروائيين الذين يرسمون لوحات ثم يكتبونها، فكانت روايته هي الرواية، (تعذيبه، ثم قتل روحه، ثم إعادة الحياة له بعد تعذيب كامل)..

صوت موسيقي مفزع:-

في وجدانه كانت اللوحات، قلنا له، الآن وأنت خارج السجن أكتبها، هي التي ستحقق لك نصرك عليهم، سمع حديثنا، ثم قال: (وكيف للشظايا أن تكون حياة وقلم)، اللوحة الأولى حلمي يوم أن دخلت السجن، هي روح المقاومة التي لم تضعف في أول الأمر، هي صوتي كمثقف وإنسان رافض لمحاصرتي، صرختي وهمستي، هي اللوحة التي كانوا يحاولون تحطيمها ثم نجحوا، نجحوا ليس لأني ضعيف، بل لأن مقاومتي كانت محاصرة منهم ومن المجتمع، دخلت السجن ضعيفاً لأن مجتمعي أصلاً كان يقول جهراً: وهل ضعفنا هذا إلا بسبب المثقفين، يريد منا المقاومة الكاملة، بسلاحنا وكلمتنا، وصرختنا، وكل ذلك، لكنه لا يضف لنا شيئاً، مجتمع كأنه يريد تمزيقنا قائلاً: (مثقفين فاشلين فقط)، يرى في المثقف كل (القوة)، وهو لا يعرف أنه كل القوة والمثقف جزءً منها، ممزقين دخلنا سجونهم، كنا عشرين مثقفاً، ثم ضعفنا إلا خمسة، ثم ضعفنا إلا ثلاثة، ثم ماتوا كلهم هناك في السجن إلا أنا، ثم أخرجوني من السجن لأني دليل نجاح مؤامرتهم على المثقفين، تحطيمنا، وتمزيقنا وصناعة ديكتاتوريين منهم، لنجرح ممارساتهم ونُكذِبهم كمثقفين، ثم إذا بينهم وبين مجتمعهم (اتهامات ومرافعات)، وبذلك نظل حاكمين..

وأنا هنا، كذلك، لوحاتي في وجداني ترسم حياتنا هناك، تعذيبنا، موت زين العابدين الشاعر، وعلي القاص، والحسين الروائي، والحسن الناقد، ومريم تلك التي رسمتْ مرة على كفها، حلم الوطن فاغتالوها ومعها حلمنا، أنا بقية كل ذلك، كنت من الناضرين أولئك، لكني اليوم بقايا وشظايا صنعتها السلطة، هي تريدني هكذا وأنا ليس لي إلا ذلك..

أصوات متنوعة ومتعددة كأنها تصنع محاصرة:-

الممثل:-

السلطة تريدنا كلنا كذلك، الآن أنا مثقف على طريقتها، طريقة ديكتاتورية صعبة على روحي ومن حولي، مسافة بين كوني إنسان ومثقف وبين حياتي الآن، هم يريدون لي الموت هكذا، ليخاف كل مثقف من ممارسة فعله النبيل نحو مجتمعه، أنا الآلة التي صنعتها لتخويفهم من الاقتراب من كونهم إنسانيين ومثقفين، هي تحاول ثم تنجح في صناعة (الشظايا)، وهل أنا إلا كذلك..

لوحة في وجداني لكوني، كنت مقاوماً، كانتْ تقول بأن المحاصرة هذه ستضعف يوماً ما، ثم فشلنا في إضعافها، والآن وحدي أنا ضعيفاً وأولئك موتى..

كان يحكي لنا في ضفته تلك، ثم خرجنا منه، قال لنا الوصية: كونوا عاديين، لا مثقفين، خوف الموت، وخوف القهر والتعذيب، كنا لوحدنا، كان المجتمع في ضفة أخرى، لا يعرفنا كثيراً رغم أننا منه فعلاً وانتماءً، لكنه يمضي مع السلطة عندما تريد محاربتنا، ولا أدري، لماذا، هل خوفاً أم انتقاماً، كنت أحس بأن مجتمعنا يريد الانتقام منا كمثقفين، أحس بغضب خفي علينا، لا أعرف سبباً أو أسباباً له، نحن أعداء له أو هكذا يظن..

لحظة صامتة:-

هل مجتمعنا، أصلاً يكرهنا كمثقفين، أم أن السلطة نفسها هي وراء ذلك، ضفتي هذي هي الحل، الحل ليس المقاومة، بعد ضعفي وتعذيبي لن أكون مقاوماً أو لن أصلح كذلك، عليكم أن تعرفوا معنى أن تصنع منك سلطة (شظايا) وترفض أن تقتلك، هي تعرف معنى الموت الحقيقي للمثقف، جعله شظايا، وضعه في مكان ما ضعيفاً، تمزيق روحه، محاصرة وجدانه، جعله يعيش بلا معنى، كل ذلك هو (موت حقيقي للمثقف)، وهكذا أنا..

لحظة صامتة:-

اذهبوا للضفة الأخرى، كونوا صامتين، لا تقولوا شعراً أو نثراً، لا تكونوا مع الغناء، فقط كونوا مع السلطة، هذه وصيتي حتى لا تعودون لي ممزقين هنا، ثم نحاول كلنا صناعة وطننا الحلم بكل تمزقنا وكل ضعفنا..

ورجعنا للضفة الأخرى، فوجدنا السلطة تنتظرنا، تم أُخذنا إلى السجن، وهنالك سألونا: هل أنتم المثقفين الذين يقولون للمجتمع بأن دولة المثقفين قادمة، صرخنا كلنا خوفاً: لسنا نحن.

وصرخة خوفنا، كانت هي المحرك لذلك المثقف في الضفة الأخرى وقد أحس بأننا محاصرين، فعبر النهر إلينا، ودخل معنا السجن بعد قيادته ثورة تهتف ضد السلطة، ثم قال: (الآن هم الشظايا، ولست أنا أو أنتم، لن يمزقوا القلم والورقة، لن نضعف لهم)..

ثم جاء الذين يعذبوننا..

ثم مضينا نحن..

لن نلتقي..

لأننا صنعنا وطناً لنا في مكان ثاني..

هذا هو الحل (مؤقتاً)..

أصوات متعددة كخلفية مفزعة:-

الممثل :-

لكننا،نراهن على المسرح في قيادة الحياة،نراهن على المسرح في أن يكون المحرك لكل فعل في حياتنا،نراهن على ذلك ونحن نعلم مقدرات المسرح وكل أهل المسرح في بلادنا..

قد يكون المسرح عندنا (مُغيباً) بفعل فاعل،قد تكون الظروف قاهرة وصادمة للمسرح ولنا وللمسرحيين،ولكن هذا لا يشفع لأهل المسرح أن يظلوا صامتين،فنحن نهمس لهم بالضرورة أن يكونوا (في قوة دافعة) تؤكد أحقيتهم في قيادة الحركة الثقافة..

انتقال لصوت موسيقي يرسم مناخ لصوت تفاؤلي:-

ليس ضرورياً أن نتفق مع بعضنا،ولكن ضرورياً أن نتفق على أن نكون صارخين بصوت المسرح في بلادنا،صارخين بقوة..

بلادنا تحتاج إلى حركة مسرحية قوية وقائدة،مثل التي كانت في زمان سابق من القرن الماضي،نشتاق إلى صفوف تقف أمام المسرح تنتظر دورها في الدخول إلى الداخل لتشاهد مسرحية،هذا حلمنا المشروع،لا أظنه حلماً صعباً التحقيق،بل هو حلم الوطن كله، وبالضرورة أن نسعى لتحقيقه كلنا..

كلنا مسرحيون شباب ورواد،فعل المسرح فعل جماعي دفاق،لا تستطيعه الأقلية حتى وإن كانت قوية،فحشد الأغلبية لفعل المسرحهو المنتهى الذي نسعى له بأدوات التحالف مع الإختلاف،وهي الفريضة التي يجب أن يستطيعها أهل الدراما والمسرح..

نريد أن يعرفوا الطريق إليها (تحالفاً مع إختلاف)،نتحالف من أجل المسرح ،نتحالف من أجل العافية المنتظرة له،هي الفكرة التي نشتاقها بقوة في زمن التراجعات الكلية،وإن تراجعنا كلنا عن فكرة التحالف مع الإختلاف،فهذا يعني مواصلة التراجعات والأزمات،وبذلك تكون واحدة من أدوات الوعي والإستنارة محاصرة بالكامل،محاصرة عن فعلها المجيد ومحاصرة عن صناعة الوعي نفسه للمجتمع..

انتقال لصوت موسيقي غاضب:-

صناعة الأزمة في المسرح فعل السلطة العارفة بدوره التنويري الذي يهزم تطلعاتها في الإستيلاء على المجتمع والبلد،فإشارات المسرح بالوعي تجعل تلك السلطة في خوف حقيقي،لأن المسرح يصنع الثورة المنطلقة بالوعي وهي الثورة التي لا تُهزم مطلقاً،وصرخة المسرح في أصلها صرخة ضد الذين يحاولون تزييف وعي المجتمع وتأطيره وتقييده وقتله سريعاً وبطيئاً..

لماذا تحاول السلطة محاصرة المسرح أكثر..؟

قناعة راسخة عند كل السلطة بأن تفاعلية المسرح (الحقيقي) هي التي تصنع (الوعي)،فإن كان المسرح صوتاً للوعي فهذا يعني أنه ضد كل أصوات السلطة،وإن فعل فعله التحريضي بالهمس أو الرمزية أو الإشارة أو الصرخة،فسيحقق نهضة بوعي،ثم ثورة بحركية واعية ضد كل الضعف والمُناخ الذي يصنع الضعف..

وجزء من المسرح يفعل ذلك،ليس كل المسرح،فهناك مسرح يحاول صناعة تزييف في الوعي،مسرح يصنع النهضة كحلم لسلطة وليس مجتمع،ونهضة السلطة أكثرها في كيف تستطيع الإستيلاء على المجتمع لتحقيق سطوتها وقهرها فعلاً وممارسة،وهذا النوع من المسرح يمكن أن يكون صاخباً بفعل السلطة وراءه،لكنه لن يكون باذخاً بفعله نحو المجتمع..

مسرح السلطة،تصفق له السلطة وأصواتها بهدف الوصول به لمقام كونه (صوت المجتمع الحقيقي)،ومنه يتم تشكيل الرؤية الخاصة بالسلطة في طقوسها الإستيلائية على العقل الجمعي وتأطيرها لأحلام المجتمع لتكون زائفة مثل أحلام السلطة،وبذلك يصنع مسرح وسلطة ومجتمع،مثلث الوعي الزائف..

وعلى ذلك فأعيينا مطلقة في التحديق لصالح تحليل الفرق ما بين المسرحَين،مسرح وعي المجتمع بنفسه وتفاصيله أم مسرح وعي السلطة بالمجتمع وتفاصيله والإستلائية عليه،لنهزم مسرح السلطة رغم صوته الصاخب بصناعة مسرح الوعي داخلنا،فكرة ورؤية واتجاهات،ثم بعد ذلك نقول لمسرح الوعي الذي حلمنا به،كن صوتنا،ولن يكون هنالك صوت لمسرح السلطة،بالضرورة غياب صوت مسرح السلطة،لايوجد في العالم مكان يسع مسرحَين،

مسرح وعي المجتمع بنفسه وتفاصيله ومسرح وعي السلطة الإستيلائي..

ويمكن أن يصرخ المسرح بوعي جزئي من السلطة،كأنه لا صوتها (الحقيقي)،لكنها هي نفسها بصوت بعضه بوعيها وبعضه الآخر بسطوتها التي تحاول قيادة المجتمع لساحاتها والمسرح (أداة لذلك)،أحياناً المسرح صاحب الوعي يرفض ذلك،وأحياناً يكون مسرحاً ضعيفاً من ناحية الوعي فيكون جزءً من فهم السلطة لتزييف وعي المجتمع مسرحياً..

ولكن،كيف نقاوم ذلك الفعل السلطوي لترسيخ وعي يمتليء بالتزييف والمحاصرة لنا،لا حل لنا إلا بصياغة وعي في اتجاهين،أولهما في اتجاه مقاومة والثاني في اتجاه بناء ومقومات الحضارة هكذا (مقاومة وبناء)،والمسرح هو صانع الحضارات والمجتمعات..

والبناء فعل موازي للمقاومة،لأنها هي المرتكز الذي يحقق لها نجاحاتها كلها،المجتمعات في طبيعتها تبحث عن البديل في حال تدافع اتجاهين أمامها،فليكن البديل هو فهم البناء لعقل مجتمعي مسرحي بتشكيل قاعدة معرفية عند المجتمع بأن مسرح الوعي هو مقاوم لمسرح تصنعه السلطة بوعي استيلائي ليكون المجتمع والمسرح جزءً منها،وتكون هي الحاكمة والمؤثرة والقائدة لكل فعل،والسلطة عندما تقود المسرح،تفعل ذلك لتصنع مجتمع يشبهها ويتفاعل معها صوتاً وفكرة ورؤية..

صوت موسيقي صاخب

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

مع تحيات :

الجامعة العربية المفتوحة…………………..كلية بانقا (التسجيل مفتوح )………….. …………………….وبي انتلجنت الهندسية 

                                                    

مع تحيات :

الجامعة العربية المفتوحة…………………..كلية بانقا (التسجيل مفتوح )………….. …………………….وبي انتلجنت الهندسية 

                                                    

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى